المتحف المصري الكبير.. الطريق إلى «عجائب الدنيا السبع» يبدأ من هنا كتب الدكتور برهان الدين محمد
المتحف المصري الكبير.. الطريق إلى «عجائب الدنيا السبع» يبدأ من هنا
كتب الدكتور برهان الدين محم
هناك فارق كبير بين أن تسعى دولة إلى لفت أنظار العالم إليها عبر حملات دعائية مؤقتة وبين أن تفرض نفسها على الساحة الدولية من خلال مشروع حضاري عملاق يجبر الجميع على الالتفات إليه، وهذا ما يحدث اليوم مع المتحف المصري الكبير الذي لم يعد مجرد متحف يضم آثارا نادرة أو وجهة جديدة للسياحة بل أصبح رمزا لدولة قررت أن تستثمر في تاريخها وأن تقدم حضارتها للعالم بصورة تليق بمكانتها.
الظهور اللافت للمتحف المصري الكبير في الفيديو الترويجي للمبادرة التي أطلقها المجلس العالمي للسفر والسياحة لاختيار عجائب الدنيا السبع المعاصرة ليس تفصيلا عابرا كما قد يعتقد البعض، فالجهات الدولية التي تطلق مثل هذه المبادرات تدرك جيدا قيمة المشروعات التي تختارها لتكون واجهة لحملاتها وهي لا تبحث فقط عن مبان ضخمة أو تصميمات معمارية مبهرة بل عن مشروعات نجحت في تحقيق تأثير حقيقي في مجتمعاتها وساهمت في دعم الاقتصاد والسياحة والثقافة والتنمية المستدامة.
ومن هنا فإن مجرد وجود المتحف المصري الكبير ضمن هذا الفيديو يمثل اعترافا دوليا بقيمة المشروع قبل أن تبدأ المنافسة رسميا، فالرسالة التي وصلت إلى ملايين المتابعين حول العالم تقول إن هناك صرحا جديدا في مصر يستحق أن يكون ضمن أبرز المعالم الحديثة على كوكب الأرض، وهذه في حد ذاتها شهادة لا تحتاج إلى كثير من التفسير.
لكن الأهم من المنافسة نفسها هو ما تعكسه من تحول كبير في نظرة العالم إلى مصر فقبل سنوات كانت الأخبار التي تتصدر المشهد عن مصر ترتبط غالبا بالتحديات الأمنية أو الاضطرابات السياسية، أما اليوم فإن الحديث يدور عن متحف عالمي ومشروعات تنموية وبنية تحتية حديثة واستثمارات سياحية وثقافية ضخمة، وهذا التحول لم يأت من فراغ بل هو نتيجة عمل استمر سنوات واستند إلى رؤية تعتبر أن بناء الإنسان يبدأ بالحفاظ على هويته وأن الاقتصاد يمكن أن ينمو من خلال الثقافة بقدر ما ينمو من خلال الصناعة أو التجارة.
المتحف المصري الكبير ليس مجرد مبنى يضم آلاف القطع الأثرية إنه مشروع اقتصادي بامتياز ففي العالم الحديث لم تعد المتاحف مجرد أماكن لعرض التاريخ بل أصبحت محركات للتنمية وجاذبا للاستثمارات ومصدرا للدخل وفرص العمل وكل سائح يزور المتحف لا يكتفي بشراء تذكرة الدخول بل يستخدم وسائل النقل ويقيم في الفنادق ويتناول الطعام ويشتري المنتجات المحلية ويزور مناطق أخرى داخل الدولة وهكذا تتحول الزيارة الثقافية إلى دورة اقتصادية متكاملة يستفيد منها عدد كبير من القطاعات.
ولهذا فإن الدول الكبرى تتنافس اليوم على الاستثمار في الثقافة والتراث لأنها تدرك أن القوة الناعمة أصبحت أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية، ومصر تمتلك في هذا المجال ثروة لا تملكها دول كثيرة لكنها ظلت لسنوات طويلة لا تستغلها بالشكل الذي تستحقه، أما اليوم فإن المتحف المصري الكبير يقدم نموذجا مختلفا يعتمد على أحدث تقنيات العرض المتحفي ويقدم الحضارة المصرية القديمة بلغة يفهمها العالم ويجعل من التاريخ تجربة حية وليست مجرد معروضات داخل قاعات مغلقة.
وإذا كانت المبادرة العالمية لاختيار عجائب الدنيا السبع المعاصرة تعتمد على معايير مثل التأثير المجتمعي والأهمية الثقافية والتميز المعماري والإسهام في تنشيط السياحة فإن المتحف المصري الكبير يمتلك مقومات حقيقية تؤهله للمنافسة بقوة فهو أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة ويضم كنوزا أثرية لا مثيل لها ويقدم تجربة ثقافية متكاملة تجمع بين التاريخ والتكنولوجيا والتعليم والترفيه في آن واحد.
لكن الوصول إلى قائمة عجائب الدنيا السبع المعاصرة لا ينبغي أن يكون الهدف الوحيد فالقيمة الحقيقية تكمن في استثمار هذا الزخم العالمي بأفضل صورة ممكنة، فالمطلوب ليس فقط أن نفخر بالمتحف بل أن نحوله إلى محور لحملة ترويجية عالمية تستهدف زيادة أعداد السائحين وفتح أسواق جديدة وتعزيز صورة مصر كواحدة من أهم الوجهات الثقافية في العالم، كما أن نجاح المتحف يجب أن يكون بداية لتطوير باقي المواقع الأثرية وربطها بمسارات سياحية متكاملة تضمن إطالة مدة إقامة السائح وزيادة إنفاقه.
ومن المهم أيضا أن ندرك أن المنافسة لن تكون سهلة فالعالم يضم معالم حديثة شديدة التميز أنشئت في دول تمتلك خبرات كبيرة في التسويق السياحي ولذلك فإن نجاح مصر لن يعتمد فقط على قيمة المتحف وإنما أيضا على قدرتها على الترويج له وحشد الدعم الدولي والتفاعل مع مراحل التصويت المختلفة بطريقة احترافية تليق بحجم هذا الإنجاز.
إن ما يميز المتحف المصري الكبير أنه يجمع بين الماضي والمستقبل في صورة واحدة فهو يحافظ على تراث يمتد لآلاف السنين لكنه يستخدم أحدث وسائل العرض والإدارة والتكنولوجيا وهذه المعادلة هي التي تجعل منه مشروعا عالميا وليس مجرد متحف محلي فالعالم اليوم لا يبحث فقط عن التاريخ بل عن الطريقة التي يقدم بها هذا التاريخ للأجيال الجديدة.
وفي النهاية فإن ظهور المتحف المصري الكبير في المبادرة العالمية لاختيار عجائب الدنيا السبع المعاصرة هو أكثر من مجرد خبر سياحي إنه رسالة بأن مصر عادت لتنافس في ساحات الإنجاز والإبداع وأنها أصبحت قادرة على تقديم مشروعات تحظى بالتقدير الدولي وقد يفوز المتحف باللقب وقد لا يفوز فهذه طبيعة أي منافسة لكن الأهم أن اسم مصر أصبح حاضرا في قائمة المشروعات التي ينظر إليها العالم باعتبارها نماذج ملهمة تستحق الاهتمام وهذه هي القيمة الحقيقية التي ينبغي أن نبني عليها في السنوات المقبلة لأن الأمم لا يصنع مكانتها تاريخها فقط وإنما يصنعها أيضا ما تضيفه إلى هذا التاريخ من إنجازات تفرض احترام العالم.
